الطبراني
28
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
يبست وجفّت قلوبهم ؛ فأقاموا على كفرهم ؛ إذ لم يكن في قلوبهم رقة ، ولا خوف من اللّه تعالى ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ؛ أي حسّن لهم ، ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) ؛ في كفرهم ؛ بأن أغواهم ودعاهم إلى اللّذة والراحة دون التّفكّر والتدبّر ببيان الحقّ من الباطل . قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ؛ أي فلمّا تركوا ما وعظوا به وأمروا به ( فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ) ممّا كان مغلقا عليهم من الخير والرّزق والخصب والمطر . وأخصبت بلادهم وكثر خيرهم ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا ؛ أعجبوا ؛ بِما أُوتُوا ؛ أي بما أعطوا من النّعم والسّعة والصّحّة ؛ أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً ؛ أي فجأة بالعذاب بعد أن ابتليناهم في النعمة والشدّة ؛ فلم يزدادوا إلا كفرا ، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) ؛ أي فإذا هم عند نزول العذاب بهم آيسون من كلّ خير ؛ متحسّرون غاية الحسرة . والمبلس : البائس الحزين الشّديد الحسرة ، ويقال : هو المنقطع عن الحجّة . فإن قيل : لم أنعم اللّه عليهم حين نسوا ما ذكّروا به ؛ وهذا موضع العقوبة دون الإنعام ؟ قيل فيه قولان : أحدهما : أنه أنعم عليهم بالدعاء لهم إلى الطاعة ، فإن الدعاء إلى الطاعة تارة يكون بالعنف والتشديد ، وتارة باللّين والإنعام . والثاني : أنه إنّما فعل ذلك بهم ؛ لأنّ من ينقل من النعمة والراحة إلى العذاب يجمع عليه العذاب والحسرة على ما فاته ؛ فيكون ذلك أشدّ عليه ممن ينقل من الشدّة إلى العذاب . قوله عزّ وجلّ : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ؛ أي استؤصل بالهلاك آخر من بقي من القوم الكافرين . ودابر القوم : آخرهم من نسلهم وغيرهم ، بحيث لا يبقى لهم بعد ذلك باقية ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) ؛ يجوز أن يكون حمدا من اللّه تعالى لنفسه على إهلاكه القوم الكافرين والمعاندين بعد أن أعذرهم وأنذرهم . ويجوز أن يكون قوله : ( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) تعليما من اللّه ( ( للنّاس ) ) يحمدونه على إهلاك الظالمين .